إقرأ أيضا

الرياضة النسائية السودانية، تاريخ من الصراع السياسي

“القوانين الحدية”، هي التي غيرت مجرى حياة العديد من الرياضيات السودانيات، وحدت من طموحهن الذي كان يتعدى حدود ثالث أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة قبل الانقسام. بدأت الحركة الرياضية النسائية السودانية تتململ من مكانها في خمسينيات القرن الماضي بخلاف كثير من الدول المحيطة. وشهدت زخما قويا في الستينيات مع إنشاء عدد من الاتحادات الرياضية. لكن هذا الوضع تغير مع مشاركة التيار الإسلامي المحافظ في الحكم والبدء بالعمل بقوانين تحد من حرية المرأة السودانية وبالتالي ممارستها للأنشطة الرياضة.

الرئيس جعفر النميري وزوجته بثينة خليل يتوسطان سباحين سودانيين وسودانيات، ويلتقطون معهم صورة جماعية بعد انتهاء سباق السباحة، “ود نميري دنقلا” المقام سنة1975، بمناسبة يوم استقلال البلاد. يصعب على من يشاهد هذه الصورة أن يصدق بأن هذا هو رئيس السودان الأسبق، الذي في عهده تم تطبيق القوانين الحدية بصرامة. “كان هناك دعم جدي للرياضة النسائية في بداية عهد النميري، لقد كان يحضر للمباريات والسباقات والمنافسات، ويدعم ويشجع. ثم طبقت الشريعة، وتغير كل شيء”، تروي السباحة السودانية سارة جاد الله، عما علق بذاكرتها عن فترة كانت تتمنى فيها تحقيق الكثير، لنفسها، ولوطنها. 

حصلت جاد الله على الميدالية الذهبية لبطولة الجمهورية السودانية في سباق الخمسين مترا ظهرا سنة 1968. هي التي أصيبت في طفولتها بشلل الأطفال، كانت تحلم بأن تصبح مثل السباحة المصرية سحر منصور، التي بدأت مشوارها كذلك بالفوز بميدالية ذهبية لبطولة مصر للناشئين، في صنف خمسين مترا ظهرا. “لقد كانت مثلي الأعلى”، تقول جاد الله التي كانت تحلق كالفراشة بأحلامها على أرض السودان. لم تكن الفراشة الوحيدة في ذلك الوقت، كانت هناك السباحات، سهام سمير سعد، إحدى بطلات السباحة للمسافات الطويلة التي كانت تقام في النيل، وهدى حمدي، ومنى زكي، وسانرا برسيان، وبشرى خان، ومني حسين كرار، ودينا ميرغني…

هذا التنوع في الأسماء بين السباحات السودانيات والأرمنيات والمشرقيات والإغريقيات، يترجم مكونات المجتمع السوداني متعدد الثقافات في تلك الفترة بالذات. لم تكن كل الفتيات قادرات على ممارسة الرياضة آنئذ، ففتيات الطبقة المثقفة والأرستقراطية هن القادرات على الممارسة فقط. 

كانت من بين الرياضات ذات الشعبية، الفروسية، والتنس والسباحة. ولعل هذا السبب هو الذي عجل بالدولة في تلك الفترة كي تقوم بإنشاء اتحادات رياضية للتنس سنة 1956، وكرة السلة سنة 1947، والفروسية سنة 1977، وألعاب القوى سنة 1959، والسباحة أواسط ستينيات القرن الماضي، لتنظيم الحركة الرياضية السودانية. 

هذا وليست هذه الأخيرة وليدة الصدفة في الستينيات. بل سبقتها تحركات مهمة تكللت بإنشاء الاتحاد السوداني لكرة القدم سنة 1936، وبانضمامه للفيفا سنة 1948. إنه ثالث أقدم اتحاد في منطقة المينا، بعد اتحاد مصر سنة 1921، وفلسطين سنة 1928. حتى إن أول كأس إفريقية لكرة القدم، والتي فازت بها مصر، أقيمت في السودان سنة 1957. 

أما بالنسبة للرياضة النسوية، فبعد طفرة الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات، تم تهميشها خلال عقود بسبب الفكر المحافظ الذي طغى على المجتمع السوداني منذ نهاية السبعينيات وحتى محاولات بداية الألفية الثانية.

ففي سنة 2001 استطاع المدرب الإيطالي جوزيف إسكوبس لوكودو إنشاء فريق نسائي أسماه “فريق التحدي، كناية على الصعوبات التي واجهها الفريق في بداياته، والمضايقات التي عرفها في سبيل نشر فكرة كرة القدم النسائية”، تحكي أول عميدة للفريق، سارة إدوارد، وهي من المساهمات الأوائل في إخراج الفريق لحيز الوجود.

“اتخذنا من ملاعب الكمبوني (ملاعب يعود وقت إنشائها للقرن 18، وهي تحمل اسم راهب إيطالي يدعى دانيال كامبوني) مكانا للتداريب وإجراء المقابلات. لقد كانت السلطة تفرض علينا ارتداء الحجاب رغم أن بيننا مسلمات ومسيحيات. وكانت الشرطة تطاردنا وتوقفنا أو تعتقلنا دوما”، تضيف سارة إدوارد، أول مدربة لكرة القدم النسائية السودانية، والحاصلة على الرخص ABC لمزاولة التدريب من لدن الاتحادين الإفريقي والأسيوي.

ليست سارة إدوارد هي أول من لبست معطف الريادة في حقل رياضي، بل هناك الحكمة في كرة القدم، السودانية منيرة رمضان (توفيت في مارس 2020 بالسعودية)، والتي كانت من أوائل الحكمات على الصعيد العالمي التي أدارت مباريات كرة القدم للرجال بداية السبعينيات. وهناك صاحبة الثلاثين عاما، السودانية سلمى الماجدي، أول مدربة كرة قدم لفريق رجالي في إفريقيا والعالم العربي. بالإضافة إلى السباحة سهام سمير سعد، الفائزة ببطولة كابري نابولي للسباحة عام 1968. ثم سارة جاد الله التي حازت على المرتبة الثانية في سباق كابري نابولي سنة 1975. بعدها، امتد الجمود لكل مفاصل الرياضية النسائية السودانية. 

مرت سنون من النضال الفردي والجماعي ضد من كان يمنع تقدم الرياضة النسائية، حتى أسقط نظام عمر البشير إثر احتجاجات عارمة في كل أرجاء السودان عام 2019. تقول المدربة واللاعبة السابقة سارة إدوارد في هذا الخصوص، “لما كان نظام البشير قائما، كانت هناك رياضات يسمح للرجال فقط بممارساتها. كنا نحن البنات في فريق التحدي، نلعب كرة القدم مع الرجال، لم تكن هناك منافسات لنا من جنسنا”. قاتل فريق التحدي بشراهة من أجل شغفه، واستطاع أن يشارك في الدورات الرمضانية لكرة القدم بدولة الإمارات، وفي بطولة Discover football في دولة ألمانيا سنة 2016، وفاز ببطولة كروية في ماليزيا عام 2009، وبلغ نهائي بطولة الشرق الأوسط وإفريقيا سنة 2010.

في العشرية الأخيرة، ازداد عدد الفرق النسائية السودانية المزاولة لكرة القدم. ومع صعود ولاء عصام البوشي لمنصب وزيرة الرياضة والشباب في الحكومة الانتقالية لعبد الله حمدوك، تمكنت السودان وسط معارضة شديدة من فقهاء البلد، من تنظيم دوري نسائي لكرة القدم في أكتوبر 2019. ومنذ ذلك الحين، نظمت دورتان لدوري السيدات لكرة القدم، كانت آخرها بطولة السنة الجارية والتي شارك فيها 23 فريقا من مختلف أرجاء البلاد، وفاز بها فريق الدفاع السوداني للسيدات. 

لقد أصبح عدد مزاولات رياضة كرة القدم وحدها يتعدى 650 لاعبة سودانية من مختلف الأقسام الكروية. وغدت مبارياتها النسائية تنقل على شاشة التلفاز بعدما كان الأمر ضربا من الخيال في الماضي. وزاد عدد الحكمات المشرفات على المقابلات الكروية بالدوري السوداني إلى أكثر من 23 حكمة، بينهن خمس حكمات يحملن الشارة الدولية. 

Twitter
Email
Facebook
LinkedIn
Pinterest